العاصي - نبض الشارع (عبد الرحمن طالب)

جسرالشغور وثورةٌ اغتصبت، بيوتها مدمرة، خدماتها سيئة إن لم نقل معدومة، الجهل بدا يتفشى بين أبناءها، التجارة الفعالة بها الطعام والصالات، الفساد وسوء الإدارة في كل نواحي الحياة، لم يخطر ببال ثوارها أن مدينتهم ستتحول إلى بؤرة من بؤرٍ الفساد والاستبداد، بدأت الثورة في جسرالشغور على استحياء في أسابيعها الأولى، فلم يشارك بالحراك السلمي إلا العشرات، وبعد أن قتل الأمن أحد سكانها على طريق لبنان بدون سبب، تفجرت جسرالشغور غضباً في تشييعه، وتحول العشرات إلى عشرات الآلاف، وبدأت المواجهة مع الأمن إلى أن تكللت بمجزرة بحق فرع الأمن العسكري وكانت نقطة تحول في ثورة جسرالشغور أو ثورة سوريا تقريباً من ثورة سلمية إلى مسلحة، حصل خلاف بين الثوار منهم يريدون إبقاءها سلمية ومنهم من يريدُ الدفاع عن نفسه و الإنتقال إلى مرحلة الكفاح المسلح، لكن خروج بعض أصحاب السوابق من السجون حسم الموضوع.

نزح أكثر من 99 % من أهالي جسرالشغور في هجوم الجيش الأول عام 2011، حيث أعلن وزير الداخلية الشعار الحرب على المدينة رسمياً على التلفاز، وبعد إحكام الجيش عليها عاد الأهالي إلى بيوتهم وفجعوا بما سرقه (عفشه) الجيش من منازلهم، ولعلها أول حالة تعفيش بالثورة.

تابع الأهالي ثورتهم مع وجود الإحتلال الأسدي، لكن مع تغيير في التكتيك، فالمظاهرات أصبحت سريعة (طيارة)، وتحولت الرسومات الجميلة إلى خربشات على الحيطان واللافتاتـ، وتحولت إلى قصاصات و مناشير، ولا بأس من بعض القنابل أحياناً على حواجز الجيش، ومن أكبر التحديات للنظام قام أهالي جسرالشغور بالإضراب التام للمحلات التجارية، بل جلسوا أمام محلاتهم المغلقة تحدياً واستفزازً للأمن.

أحكم النظام الخناق على المدينة وبدأ بمحاصرتها فمنع الخروج والدخول إليها إلا حالات معينة، وانطفأ الحراك الثوري داخل المدينة، كان الأهالي يتخيلون المستقبل الجميل للمدينة عند هجوم الثوار و إنهاء الإحتلال الأسدي، لكن الأخبار التي كانت تأتي من المناطق المحررة المحيطة بجسرالشغور كانت تخيفهم، فمن فساد للثوار و حواجز لقطع الطرق وخطف المدنين الأغنياء مقابل المال وبعض القذائف والصواريخ التي كانت تسقط على رؤوسهم  بعد عدة معارك فاشلة بسبب سوء التخطيط أو عدمه على المدينة، فرض من يسمون أنفسهم (الإسلاميين) قبضتهم على المناطق المحررة وأزاحوا الجيش الحر عن سدة الحكم، فاستبشر غالبية الأهالي بشروق شمس الحرية على المدينة، وحدث ذلك بعد أكثر من سنة، لكن لم يكن الإسلاميين الفارس النبيل الذي يمتطي حصان أبيض الذي كانوا يتخيلونه أهالي جسرالشغور أنه قادم لتحرريهم، فقسمت المدينة إلى قطاعات و كل قطاع لفصيل و تعاملت الفصائل مع المدينة على أنها كتلةٌ من غنائم، فمن محطة زيزون إلى معمل السكر إلى فرن الخبز إلى البريد إلى مدرسة المعلوماتية إلى البلدية حتى المركز الثقافي والكتب لم تسلم، كل المؤسسات والدوائر في المدينة تعرضت للنهب والسرقة بدلاً من إعادة تفعيلها لكي ينتفع الأهالي من منتجاتها و من العمل فيها بدلاً من ذهابهم إلى حماة للعمل تحت كنف النظام، أو السفر إلى تركيا بحثاً عن لقمة خبز فقدوها في بلدهم وثورتهم !.

الكثير من أهالي الجسر لم يعد إسقاط النظام من أولوياته بل إسقاط المجلس المحلي الذي كانت أكبر إنجازاته أنه أعلن للإعلام أن جسرالشغور منكوبة لمرتين في أقل من 6 شهور ..؟، فما هو مصير جسرالشغور وأهلها في الأيام القادمة ؟.