العاصي – نبض الشارع (محمد مالك الشيخ)

لا شك أن هذا العنوان قد يكون غريباً بعض الشيء عليكم أعزائي، ومما لاشك فيه أيضاً أن تسألوا أنفسكم كيف للمشاعر التي تنبع من روح الإنسان أن تكون إلكترونية ؟ وكيف لهذا الشيء السامي الذي يسمى المشاعر ان يصبح افتراضي ووهمي؟!. 

مما لا يخفى عليكم أنه في ظل هذا التطور الذي وصلنا إليه من تقدم على المستوى التقني" التكنولوجي" الحاصل، وبسبب ما آلت إليه ظروف المجتمعات والبيئة المحيطة وتغيّر نفوس الناس وتراكم مشاكلهم الحياتية افتقدنا كثيراً لأولئك الذين نشكو إليهم همومنا وأحزاننا وأسرارنا، واصبحت مواقع التواصل الاجتماعي هي المنفذ  الوحيد الذي نستطيع من خلاله إخراج ما بداخلنا، واصبحت الملاذ الأمن لسكينة أرواحنا التي باتت تعج بزحمة الحياة وضوضاء الأيام.

ولا عجب في ذلك فإذا كانت الدنيا والطقس ووسائط النقل والأكل والشرب والأشياء المهمة في الحياة قد تبدلت فحتماً إن الإنسان سوف يتغير وتتغير طبيعته ليتلاءم مع واقعه، ومما لاشك فيه أيضاً أن هذه التغيرات التي طرأت غيَّرت معها أحوال الناس والمعاملة الاجتماعية التي تحيط بهم، فمن انقطاع الوصال إلى انعدام اللقاء إلى فقدان الثقة وهلمَّ جراً، فترانا يومياً نبدل حالات الـ "واتس أب"  في أجهزتنا الذكية المتطورة.

حسب الوضع النفسي الذي نعيشه، إن فقدنا حبيباً أو صديقاً، إن هاجرنا أو سافرنا، إن فشلنا أو نجحنا، بهذه الطريقة نكون قد نفّثنا عن المشاعر التي تدور داخلنا وأرحنا أنفسنا، وحتى إن لم ترتاح بشكل تام نكون قد خففنا بعضاً من الأعباء عن أرواحنا، ثمّ في هذه الحالة أصبح بإمكاننا التعرف على حالة الشخص حتى لو كان بعيداً عنا دون أدنى مشقة، ودخلنا لخوالجه وعواطفه دون معاناة السؤال والقيل والقال  ...

وإن نظرنا إلى "الفيس بوك أو تويتر " نراه قد أصبح مرتعاً لتنفيث الغضب ، فنشاهد يومياً عشرات المنشورات بل المئات تتحدث عن الخيانة والوطنية والقومية وعن الحب والحرب والكراهية إلخ، ولا ننسى أيضاً أن نكتب " يشعر بالحزن، يشعر بالفرح، يشعر بالغضب، يشعر بالسعادة، كي نشرح عما في ذاتنا بشكل واضح ...

ثم ماذا عن الحب !؟

ألم يكن الحب يوماً ما شيئاً لا يمكن لأي أحد أن يعبر عنه !؟ أم أنه فقد معناه !؟

لا يمكننا أن نقول  أنه فقد معناه ،ولكن يمكننا القول أنه أصبح بإمكاننا البوح عنه وعن أسراره وخفاياه ومستجدات أحداثه بواسطة بيت شعري أو مقطع فيديو ننشره على حالات الواتس أب.     

أليس هذا الواقع الذي وصلنا  إليه !؟، ألا تشعر بالراحة عندما تعبر عما في داخلك بهذا الشكل ؟؟، أليس هذا تفسيراً منطقياً لمشاعرنا التي باتت تفور وتهدأ بمجرد أن نضعها في هذا العالم الافتراضي ؟؟، سواء خالفتني بالرأي أو وافقتني فهذا الواقع الذي وصلنا له ويا للأسف، فالإنسان لم يعد كومة المشاعر تلك التي كانت تتحدث عنها الفلسفة، ولم تعد مشاعره تلك التجليّـات التي كانت تحددها علوم الاجتماع .

وإن كنت تريد الحد من هذه البعثرات فعليك الابتعاد قليلا عن مواقع التواصل، ريثما تعتاد الحياة الطبيعية البعيدة عن الافتراض والحد من ارتيادها، ولا بئس بتغيير واقعك فقد حان وقت التغيير ...