العاصي – (زينة مجلوبة)
عندما تنظر إليها للوهلة الأولى تراها امرأة قوية صامدة، وحينما تدقق في ملامحها وتقترب من عينيها أكثر فإنك سترى نظرات ضعف واستسلام، فبعد ما مرت به طغى من صعاب، قد سيطر الحزن على حياتها ،واقعها ،ومستقبلها .
"عبير"، تزوجت في الرابعة عشر من استاذ رياضيات فكانت بذلك المحظوظة بين اخواتها، لأنها حظيت بشاب وسيم ومثقف على نقيض أخواتها اللواتي تزوجنّ من أصحاب مهن حرة.
عاشت معه حياة سعيدة، أعطاها الحب والدلال والعز مثلما يقال بالعامية (زوجها عاززها)، وكانت أميرة بيتها، أنجبت ثلاث بنات وصبي وحيد كان البكر لها.
عاشا بسعادة برهة من الزمن إلا أن خيم شبح أسود على حياتهم ولف جسد زوجها وأضعفه، إلى أن بات لا يقوى على الحركة، إنه مرض (التهاب الكبد الفيروسي).
هزل جسده يوماً بعد يوم، وبعد ثلاثة أشهر من المعاناة مع المرض وفي شتاء ديسمبر من عام 2002 توفي أحمد زوجها تاركاً عبير التي لم تكمل العقد الثاني من عمرها ذات الوجه الملائكي و4 براعم صغيرة، الصبي الذي لم يتجاوز العاشرة والصغرى التي لم تكمل عامها الأول.
حدثتنا عبير عن ذلك "عندما خطف الموت زوجي كنت في السابعة والعشرين من عمري كان موته فاجعة، لم أكن أصدق أنه سيموت بالرغم من أن جميع الأطباء أكدوا استحالة شفائه، إلا أنني لم أفقد الأمل بذلك، فُجعت بموته وفُجعت بما سمعت بعد موته من اتهامات المجتمع، وما أبرعه بالاتهام".
وزاد على اتهامات المجتمع أهل زوجي الذين أخذوا ما أملك من نقود قد تركها لي قبل موته كانت مخصصة لشراء بيت يأوينا أنا وصغاري، أرادوا أخذ أولادي مني بحجة أنني صبية وصغيرة وعاجلاً أو أجلاً سأترك أطفالي لأتزوج، وتشاجروا مع أخوتي وزُجّ أخوتي الثلاثة في السجن بسببهم، وبعد عدة جلسات في المحكمة وبعد معاناة طويلة رُدّت لي حقوقي مع إني كنت لم أكمل شهور العدة بعد، وقبل أن أنهيها بعدة أيام توفي والدي سندي الثاني.
عاشت عبير حياة قاسية، جمعت قسوة كل ما مرّ بها مع نظرة مجتمع معاق، نظرة مشوهة لامرأة أرملة لا حول لها ولا قوة، أدركت عبير البريئة حينها أنها يجب أن تكون أقوى من أجل أطفالها.
ربت عبير أطفالها تربية صالحة، كانت لهم الأب والأم، وكان جلّ ما تحلم به هو أن يكلموا دراستهم، فالصبي لم يكن مهتما رغم تشجيع والدته له وبذلت كل ما تستطيع لكنه لم يفلح دراسيا، والبنت الأصغر كذلك الأمر ولكن الوسطى كانت متفوقة على مثيلاتها.
"هبة" كانت لديها هبة الذكاء والتفوق حتى أنها شجعت أختها لتعاود الدراسة، ونجحت في الثانوية، وها هي قد فاضلت واختارت ما ترغب بدراسته (كلية التربية)، كانت فرحة عبير بابنتها هبة قد أنستها كل ما مرت به من قبل، ولكن لم تكمل فرحتها بابنتها فقد ماتت بتفجير على طريق الجامعة، بينما كانت تمشي مع صديقتها لتكمل رسوم تسجيلها وأختها في الجامعة.
في الثاني والعشرين من تشرين الثاني توفيت هبة وعن هذا تحدثت خديجة أختها الاكبر "خديجة"، رن الهاتف لينقل لنا أحد الأطباء هذا الخبر، إنها الوحيدة التي توفيت في ذاك التفجير، أمي لم تساعدها قدماها على الوقوف، فقد حبت نصف المسافة لتصل للمشفى، وبعد إتمام مراسم الدفن والعزاء عاد حالنا كما كان، كنا مكسورين وغير واعين لما يحصل من حولنا.
وتابعت نوائب الزمان على عبير وعائلتها مثلها كمثل معظم العائلات في ظل هذا الوضع، لكنها تابعت حياتها مضحية بحياتها في سبيل سعادة أولادها، وها هي الأن لديها عدة أحفاد من وحيدها وبناتها، ولازالت تلك الأم المعطاءة العصامية التي لا تستسلم لأي ظرف كان، هذه حال الأمهات العربيات، فهنَّ مثال للعطاء والحب.