العاصي – أسرة التحرير

انطلق مهرجان الرمان السنوي في بلدة دركوش الواقعة بريف إدلب الغربي، للمرة الثانية على التوالي، بالتزامن مع موسم قطاف الرمان الذي تشتهر به هذه البلدة المتربعة على ضفتي نهر العاصي، فهل الغاية من هذا المهرجان الرفاهية والتسلية، أم أن هناك أهدافاً عميقة له؟

في البداية يجب التذكير بأمور مهمة تؤدي إلى الإجابة عن السؤال أعلاه، فمنها أن البلدة تضم نخبة من المثقفين في مختلف الاختصاصات، ناهيك عن كثرة المتعلمين فيها، وغالب أمور البلدة إن لم يكن كلها تدار من قبل تلك النخبة، ومن البديهي أن كثرة مثقفي بلدة ما، يأثرون على عامة الشعب بأسلوب وثقافة الحياة.

ثاني هذه الأمور، أن البلدة تشتهر بزراعة أجود أنواع الرمان، ويعد الرمان الدركوشي أفضل الأنواع في سوريا، أو على أقل تقدير من أفضلها.

بالعودة إلى المهرجان، فالمتابع لفقراته وتوقيته والتفاصيل الصغيرة، يجد أشياء كثيرة ربما تضيق الكلمات بذكرها، كونها تحمل رسائل عدة في طياتها.

معنوياً

أول هذه الأشياء، الطابع الثوري الذي يؤكد على التزام أهالي البلدة وضيوفهم -وهم كثر- بمبادئ الثورة السورية، رغم كل ما حصل من معاناة، ولا مزاودة في ذلك، من خلال ما قدمته البلدة من شهداء في سبيل الدفاع عن الأرض وإسقاط نظام الأسد المجرم، إضافة إلى ما لاقته البلدة من هجمات إجرامية من طائرات النظام الحاقد، والسيارات المفخخة التي أودت بحيات العشرات بل المئات من أهالي البلدة ومحيطها وضيوفها.

المهرجان حمل رسالة إرادة الحياة لدى الشعب السوري رغم المعاناة التي تكتنفه من كل حدب وصوب، وفي النواحي كافة الاقتصادية، والأمنية، والاجتماعية، فهو تعبير عن استمرار الحياة، وعدم توقفها ورغبة السوريين في ذلك وقد حملت دركوش على عاتقها إيصال هذه الرسالة، لمن يريد أن يعرف حقيقة السوريين من دول العالم.

اجتماعياً

لطاما حاول نظام "الأسدين" أن يضفي صفة المنسية على محافظة إدلب مدة أربعة عقود أو تزيد، كذلك الحال لمدنها وبلداتها وقراها، التي لم تلق اهتماماً، أسوة بمناطق أخرى، فالمهرجان هنا غاية لوضع البلدة في مكانها الحقيقي بما تتميز به من خيرات قل نظيرها في أرجاء سوريا.

ويمكن القول أنه سعي من أهلها لإبراز لون من ألوان التميّز السوري وأن يكون موسوما باسم البلدة، فما أن يذكر الرمان حتى تذكر دركوش التي تنجح بزراعته وتشتهر به، كما تشتهر داريا بالعنب والغوطة الشرقية بالمشمش وحمص بحلاوة الجبن، والأمثلة كثيرة.

اقتصادياً

يقال في عالم التجارة والاقتصاد أن الإعلان للمنتج أهم من المنتج ذاته، وأي تاجر ينجح في الترويج والإعلان لبضاعته ينجح بتصريفها ولو كانت أقل جودة من تاجر فشل في إعلانه، أو لم يعلن مطلقاً.

في ظل ما تمر به المناطق المحررة من حالة ركود اقتصادي شديد، وضعف الإقبال على البيع والشراء والإنتاج كان لابد من فكرة تلفت الانتباه وتسلط الضوء على المنتج الكبير من الرمان الدركوشي عالي الجودة، كي ينال حقه أو بعضا من حقه في التصريف، فنبعت فكرة المهرجان كحركة فنية لطيفة بأسلوب حضاري يحقق مراد أهل البلدة، فكان فعالية راقية دلت على من انتجها، وثقافته أيضاً.

ختاما لا بد من التذكير بأن البلدة تشتهر بزراعات أخرى كالمنغة والجوز والزيتون والخضراوات وأنواع أخرى من المزروعات لتوفر المياه من نهر العاصي الذي يقسم البلدة إلى نصفين، كما تشتهر البلدة بجمال منظرها وهي معلم سياحي مهم، كانت قبل الثورة وفي ظلها قبلة السياح.