العاصي - أسرة التحرير 

بتوجهات سياسية- اقتصادية جديدة ترسم سياسة الاتحاد الأوروبي في سوريا وتختلف عن النسختين السابقتين، أسدل الستار عن فعاليات مؤتمر بروكسل حول “دعم مستقبل سوريا والمنطقة” بنسخته الثالثة، والذي انعقد بين 12 و14 من آذار الحالي، ليخرج بتعهدات مالية وصلت إلى سبعة مليارات دولار.

المؤتمر عقد بحضور 78 وفدًا من بينهم 56 دولة و11 منظمة إقليمية ومؤسسات مالية دولية و11 وكالة تابعة للأمم المتحدة، وفي الوقت الذي غاب فيه السوريون سياسيًا، سواء من النظام أو المعارضة، حضرت بقوة منظمات المجتمع المدني السوري في جلسات مغلقة على هامش المؤتمر لتبادل وجهات النظر حول مستقبل سوريا والعملية السياسية في جنيف.

وعلى الرغم من أن الهدف العام الذي عقد لأجله المؤتمر هو تقديم مساعدات إنسانية للسوريين في الداخل والخارج، إلا أنه حمل رسائل سياسية، للنظام وداعميه، وخاصة روسيا، قد ترسم ملامح مرحلة جديدة بين الدول الأوروبية من جهة وبين موسكو من جهة أخرى، والتي تحاول ابتزاز الأوروبيين في قضية اللاجئين لإعادة تعويم النظام.

وإلى جانب ذلك كشف انعقاد المؤتمر الهوة بين منظمات المجتمع المدني على كامل الجغرافيا السورية، إذ حضرت المنظمات المؤتمر دون أهداف تسعى إلى تحقيقها أو رؤية واضحة تجاه سوريا المستقبل.

 


ممثلو الدول المشاركة في مؤتمر بروكسل 3 من اجل دعم سوريا- 14 من آذار 2019 (near_eu تويتر)

أوروبا تقف في وجه الابتزاز الروسي
“بروكسل 3” يكرس جنيف
وبالرغم من انعقاد النسخة الثالثة من المؤتمر، بالتزامن مع مسار “أستانة”، لم يتخذ سمة المسار، وبقي مؤتمرًا سنويًا يعقد بالتوافق مع الأمم المتحدة وبحضور مبعوثها الخاص إلى سوريا ويشغله حاليًا، غير بيدرسون، لأن الاتحاد الأوروبي يرفض المسارات الجانبية التي تضعف الأمم المتحدة، بحسب ما قال مدير عام اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبيةUSSOM) )، زيدون الزعبي، الذي اعتبر أن بروكسل رد على المسارات الجانبية (أستانة وسوتشي) ومخرجاتها.

المؤتمر الذي عقد، بضيافة البرلمان الأوروبي ومشاركة ورئاسة الأمم المتحدة، حمل في طياته شقين، الأول كان إغاثيًا إنسانيًا ونتج عنه “سخاء استثنائي” لصالح البلدان المجاورة لسوريا، بحسب ما ذكر البيان الختامي للمؤتمر الصادر في 14 من آذار 2019، من خلال تعهد الدول المشاركة بسبعة مليارات دولار أمريكي، وهو ما يفوق تعهدات “بروكسل 2” التي بلغت حوالي ستة مليارات دولار، أما الشق الثاني فكان ذا طابع سياسي بتوجيه رسائل إلى النظام وداعميه إضافة إلى الدول الراعية لمسار محادثات “أستانة” (تركيا وروسيا وإيران).

الرسالة السياسية أطلقتها الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فريدريكا موغريني، عندما صرحت قبل انعقاد الجلسة الختامية للمؤتمر، أن “الاتحاد الأوروبي سيكون مستعدًا لتوفير الأموال اللازمة لإعادة إعمار سوريا، ومناقشة الأمر مع البنك الدولي، عندما تبدأ العملية السياسية في جنيف”، في تأكيد على محادثات “جنيف” بين الأطراف المتصارعة في سوريا تحت إشراف الأمم المتحدة، وإلغاء كل من محادثات “أستانة” و”سوتشي”.

وخلال رصد عنب بلدي للبيانات الصادرة عن المؤتمر خلال نسخه الثلاث الماضية، اتضح أن البيان الحالي خلا من ذكر “أستانة” أو الحديث عنه أو دعمه، على خلاف النسختين السابقتين، إذ أكد بيان “بروكسل 1” في 2017، أن “اجتماعات أستانة تملك إمكانية أن تلعب دورًا حاسمًا في توطيد وتعزيز وقف إطلاق النار في جميع أنحاء سوريا، بضمان من قبل روسيا وتركيا ومشاركة إيران، ويجب أن تعمل إسهامات اجتماعات أستانة على تكامل جهود فرق عمل جنيف”، أما في “بروكسل 2” في 2018 فأكد المشاركون على دعمهم لمجموعة العمل التي شكلها ضامنو “أستانة” فيما يخص المعتقلين.

وجاء انعقاد المؤتمر عقب حدثين اقتصاديين، أوصلا رسالة قوية للأسد وداعميه، الأول فرض عقوبات جديدة من قبل الاتحاد الأوروبي على وزراء في حكومة النظام السوري، في 4 من آذار الحالي، والثاني كان موافقة مجلس الشيوخ الأمريكي على قانون “قيصر”، مطلع شباط الماضي، الذي يفرض عقوبات على شخصيات رفيعة المستوى في النظام والدول الداعمة له.

واعتبر الزعبي أن فرض عقوبات اقتصادية جديدة وجه رسالة، ليس إلى النظام فقط، وإنما إلى روسيا، مفادها أن العقوبات ستبقى وهي قضية أساسية، إضافة إلى أن التعهدات المالية حملت رسالة بأن قضية اللاجئين ليست لابتزاز الاتحاد الأوروبي المستعد للتعاون مع الدول المستضيفة لهم (دول الجوار وأوروبا) وتقديم تعهدات مالية، طالما أن المطالب بإحداث تغيير سياسي كبير في سوريا لم تحدث.

وأشار الزعبي إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يملك جغرافيا مشتركة مع سوريا، أو قوى عسكرية على الأرض، وليس لديه سوى المسار الاقتصادي من أجل لعب دور أساسي في مرحلة انتهاء الحرب وإعادة الإعمار والتنمية في سوريا.

لا إعادة إعمار دون حل سياسي مستدام
وتبع تصريح موغيريني إصدار البيان الختامي، وأكد أن “الحل المستدام للصراع في سوريا لا يمكن أن يستند إلا إلى بيان جنيف 2012″، والتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي 2254، وجاء البيان نتيجة الاستشارات التي قام بها الاتحاد مع منظمات المجتمع المدني السوري المستقلة المشاركة، على مدار الشهرين الماضيين، وبناء على المداخلات التي ألقيت خلال المؤتمر، بحسب ما قال مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبد الله.

وتحدث العبد الله لعنب بلدي عن موقفين “جيدين” للمؤتمر وتصريحات موغريني، من وجهة نظره، الموقف الأول هو أن مسألة إعادة اللاجئين السوريين ليست مطروحة على طاولة الاتحاد الأوروبي، ولا توجد خطة لإعادتهم بالقوة، باستثناء من يرغب بالعودة بشكل منفرد، “فهذا حقه ولن يمنعه أحد”، أما الأمم المتحدة فلن تشارك في إعادتهم، “ومن هنا يكون ملف الاستثمار والبازار بعودة اللاجئين الذي تعمل به روسيا والنظام قد انتهى وأغلق”.

أما الموقف الثاني فيرتبط بملف إعادة الإعمار في سوريا، وأن الأموال والتعهدات التي قطعت في بروكسل لإعادة الإعمار تشترط أن تكون هناك عملية سياسية يحصل فيها تقدم، والعملية هي “جنيف” وليست “أستانة” أو “سوتشي”، الأمر الذي كرس مسار “جنيف” تحت غطاء الأمم المتحدة.

وجاء الموقفان، بحسب العبد الله، ردًا على تصريحات النظام وروسيا ورفضًا للرواية الرسمية، التي تقول إن “النظام انتصر والمعارضة انهزمت، وعلى الأوروبيين التعامل معه بواقعية والبدء باستثمار إعادة الإعمار وضرورة عودة اللاجئين لإعمار بلدهم، لذلك جاءت رسالة الاتحاد الأوروبي أساسية، بعدم قبول الابتزاز الروسي، وأن الاتحاد ليس على عجلة لترحيل اللاجئين السوريين، بل على العكس سيعزز ويدعم الدول المستضيفة للاجئين في تركيا والأردن ولبنان عبر تقديم التعهدات المالية”.

 

المصدر - عنب بلدي