العاصي

تركز السياسة على الجزئيات، وما يحدث تحت الطاولات في الغرف المغلقة والمكالمات الهاتفية السرية بين زعماء الدول، وما يُعلن عنه بشكل صريح يلعب على الكلمات، ويشمل عموميات تتطبق فيها بنود محددة وليس كل ما ورد في التصريحات العلنية، وبناء عليه فإن تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بسحب القوات الأمريكية من سوريا، ليس انسحاباً كلياً، إنما انسحاب جزئي من المناطق المستهدفة لتركيا شرق الفرات، بالمعركة التي أعلن عنها الرئيس التركي في وقت سابق.

أمريكا وضعت قواعد عسكرية في التنف ومناطق متفرقة من سوريا وهذه القواعد شبيه لقواعدها في قطر (العديد) وفي السعودية وغيرها، صفتها الديمومة أي أنه ستبقى طويلاً لتكون مرتكز لها في سياستها في الشرق الأوسط لسنوات طويلة.

وبالتالي فإن الانسحاب الأمريكي مناورة سياسية هدفها عدم التصادم مع تركيا، وسحب نقاط المراقبة التي أنشأتها مؤخراً بطريقة توحي بعدم الرضوخ، بل باتفاق قوي يحفظ مصالحها في سوريا، ويدعم تركياً التي يبدو أنها دفعت لها شيء يوازي بأهميته، المناطق التي ستسيطر عليها شرق الفرات.

مع التسليم بأن الانسحاب الأمريكي جزئي، سيشمل مناطق منبج والشريط الحدودي مع تركيا شرق الفرات، يكون دور "قسد" قد انتهى تماماً، وتكون واشنطن قد تخلصت من الورقة الكردية التي لم تعد بحاجة إليها، وطالما أكد محللون أن أمريكا لا يمكن أن تتخلى عن تركيا لإرضاء الوحدات الكردية.

لكن السؤال الأهم الذي يطرح من سيملأ الفراغ بعد انسحاب القوات الأمريكية من منبج والشريط الحدودي؟.. قد لا تبدو الإجابة عن هذا السؤال معقدة لدرجة كبيرة، لأن تركيا تدعم آلاف المقاتلين من المعارضة تحت مسمى "الجيش الوطني"، وفصائل أخرى من الجيش الحر، ستكون مهمتها في قادم الأيام الانتشار على الشريط الحدودي باستثناء المناطق ذات الصبغة الكردية، ستكون هناك قوات محلية عشائرية لم تواجه "ب ي د" وهي قوات أحمد الجربا الذي كان في تركيا منذ أيام وعلى ما يبدو أنه أبدى استعداده للانتشار هناك لكن تحت الرعاية التركية.

أما بالنسبة لروسيا، لن يكون هناك حرج لها في هذا الموضوع، فلم تبحث عن السيطرة على دير الزور، والرقة، ولم تكن تصريحاتها الغاضبة ضد الانسحاب الأمريكي حقيقية، لأنها صرحت في وقت سابق أن وجود القوات الأمريكية غير شرعي، وعليها الانسحاب من سوريا، ويمكن تفسير تصريحاتها أنها محاولة للضغط من أجل تحصيل مكتسبات في إدلب وريف حماة الشمالي وهذا ما يهمه.

ختاماً نستطيع القول أن أمريكا ستظل مسيطرة على الرقة ودير الزور بطريقة غير مباشرة عبر تركيا وقوات عربية خالصة، من الجيش الحر، فيما سيكون لتركيا ما تريد على شريطها الحدودي مع سوريا، إضافة للقضاء على "ب ي د".